الأستاذ الكبير خالد الصاوي قدمنا لعالم من الخيال والواقع في لحظة واحدة، على خيوط عالم روحي لرجل عز في زماننا، وفي رومانسية عالية من الخيال، لقد أثار فينا مشاعر عميقة أنسانية روحانية وشهونية لطيفة، في زمن معاصر. لا حاجة للحديث عن إدوار الأستاذ الصاوي في أعمال سابقة، ومواقفه المشرفة، وثورته السابقة لثورة التحرير بكل عظمتها. الدكتور سليمان شخصية لم أحبها في شكلها الأول"كده رضاه" ، لا من حيث قيمتها الدرامية والأدائية، ولكن لكوني أخصائي نفسي، ونادر ما أنصفت السينما والدراما العربية والمصرية على وجه الخصوص الأطباء النفسيين، ولكن شخصية الدكتور سليمان في خاتم سليمان تبدوا شيء من الأسطورة، أذا كان شخص مثل هذا موجود، فان هذا معجزة في هذا الزمن الغريب العجيب. ولأقول الحقيقة في هذا الأمر وجدت نفسي متمركزا تماما حول المشاهد التي يظهر بها الأستاذ خالد، وبدت كل الأحداث تدور لصالح الشخصية التي أراد الأستاذ الصاوي ان يقدمها، وبالرغم من تنوع الشخصيات غير أن شخصية البطل تربطك إليها في كل اللحظات حتى الإنكسار، أنه ارتبط مستمر منذ المشهد الأول، بلغز اسمه الدكتور سليمان ألعريني، يدخلنا من بوابات مصر المختلفة، فنرى الأنسان المصري في طبقاته المختلفة من خلال العلاقة مع الأخرين من الطبقات المتفاوتة. ومن ناحية أخرى كم جميل أن تبقي الدرامه الباب مفتوحا أمام أسئلة كثيرة لم يجبنا المسلسل عليها، اما الخاتم فهل هو ليس أكثر من صدفة، أو ليس حي بحيوية قلب الدكتور سليمان، أم أن فيه قدرة سحرية، أليس هذا عكس الأنسان في أسقاطه للمعاني المقدسة أو المحيرة حول الأشياء.
شوقي لمتابعة الحلقة التالية دفعني لحضور أول عرض على الart ، الثالثة صباح بالتوقيت المحلي، ولابد أن ننوه لأغنية المقدمة بأداء الفنانة ريهام عبد الحكيم، حفظتها من أول مرة، حاجة جميلة خالص، كنت أود أن درس مدى تفاعل الأشخاص مع المعاني الروحانية و الوجدانية في شخصية الدكتور سليمان. منذ زمن طويل لم تشدني قصة رومانيسة كما فعلت قصة الدكتور سليمان مع الاعلامية ملاك، انها لقاء روحي عميق بين شخصين يتجاوز المادة إلى ما بعدها، بمعنى متافيزيقي.
لكن واحد من أكثر المشاهد مركزية، مشهد الدكتور سليمان وهو يروي قصص الفساد الأخلاقي الذي حل بالناس بسبب المال والسلطة وفي طبقات متفاوتة، ونجد على طول المسلسل عرض متتالي للعنف الاجتماعي والسياسي في مصر، بطريقة حاضرة لا فقط في عمل الخاتم ولكن في أعمال أخرى كثيرة، لكن الثنائية التي يمثلها سليمان وشهيناز والتي ترمز للصراع بين الخير والشر، ولكن لا عرف أن كذلك بوعي أو بغيره فانه يرمز ايضا للثورة المصرية التي بقيت أسئلة كثيرة مفتوحة حول مصيرها. قد يسقط المشاهد ألاف المعاني على عمل فني ترتبط بذاته في الكثير منها، ولهذا فأن التأمل في عمل عميق مثل هذا يتطلب ان نشاهده مرات أخرى.
الخميس، 1 سبتمبر 2011
الأربعاء، 31 أغسطس 2011
النسويات العربية والتصالح مع جرائم الولايات المتحدة!
عن مدونة كنعان.
النسويات العربية والتصالح مع جرائم الولايات المتحدة!
بادية ربيع
مفارقة لافتة أن تكون مؤسسة الصليب الأحمر كمنظمة إنسانية هي من صلب وصنع البلدان الراسمالية الغربية التي تصنع المآسي والجرائم التي تحاول مؤسسة الصليب الأحمر تخفيف آثارها على ضحاياها.
بالنسبة لراس المال، هي صناعة. يخلق راس المال الكوارث ثم يبدأ بمعالجتها. وهو أمر لا يختلف كثيراً عن دور المصرف الدولي، الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية وكان اسمه بنك التطوير وإعادة التعمير، بمعنى أن رأس المال يدمر وهذا يفتح متسعاً للتعمير، أي أن الحرب صناعة رأس المال التي تفتح لإعادة الإعمار. وفي التحليل الأخير، تشغيل راس المال وتوليد الربح بغض النظر عن أخلاقية أو لا أخلاقية الفعل. فخطاب راس المال يتحدث عن الهدم والبناء وليس عن ضحاياه من البشر.
قال رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق ماغني بارث في مؤتمر صحافي أن هناك “أكثر من مليون إمرأة معيلة في العراق”، وهذا الرقم يشمل الأرامل والنساء اللواتي أضحى أزواجهن في عداد المفقودين أو المحتجزين، إضافة إلى المطلقات.
وأكد حوالي ربع النساء المعنيات بالدراسة أنهن يعانين من الانهاك، فيما أن الربع الآخر يشعرن بالحزن، و18 بالمئة منهن يعانين من الكآبة، وثمانية في المئة فقط يشعرن أنهن على ما يرام.
كل هذا صحيح، ولكن من الذي تعنيه هذه الحقائق البشعة وإلى أين تُوجه؟ هي بالقطع لا تعني الولايات المتحدة وحلفائها الذين ارتكبوا فظاعة هذه المجزرة الممتدة، ولا تعني الأنظمة العربية التي شاركت وباركت تلك المجزرة. وبالتأكيد لا تتوقع النسوة العراقيات من هذه الأنظمة إلا ما حصل. وهي كحقائق لا تعني حتى فريق الصليب الأحمر الذي يتعاطى مع هذه الجرائم بأعصاب باردة كما لو كانت الناس أرقاماً.
هذه الجرائم يجب أن تعني العرب، وخاصة النساء العربيات والمنظمات النسوية العربية. ما موقفهن من هذه الجرائم؟ وهذا الجرائم ليست بنت اليوم، فماذا فعلت هاتيك النسويات؟ لم نسمع أن منظمات نسوية عربية طالبت قريناتها الغربية بموقف ضد هذه الجرائم؟ لم نسمع إن كانت منظمات نسوية عربية قد قاطعت منظمات نسوية غربية لرفض الأخيرات شجب جرائم جيوش بلادها في العراق. هل اثارت النسويات العربية هذه الجرائم في المؤتمرات النسوية الدولية؟ بالطبع لا!
يجدر في أمر كهذا السؤال: ما السبب في هذا الخنوع النسوي طالما أن الحقائق موجودة وتبرزها مؤسسة دولية غير عربية مما يعفيها من تهمة المبالغة.
هل الحركات النسوية العربية تابعة تمويلياً لمنظمات نسوية غربية؟ هل نسويات عربية تابعات فكريا وثقافياً لمنظمات نسوية غربية سواء النسويات اللبراليات والرديكاليات والاشتراكيات؟ لا شك أن هذه اسباب إلى جانب أسباب أخرى. وعلى ضوء اسباب كهذه تكون العلاقة بين النسويات العربية والنسويات الغربية علاقة استعمارية (كولونيالية) نسوية من جهة وعلاقة تبعية النسويات الغربية للمؤسسات الذكورية الحاكمة في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة بما هي ألدولة التي تحتل العراق والتي قام جيشها بهذه الفظائع من جهة ثانية؟
ولكن، إذا كانت النسويات اللبراليات العربيات والراديكاليات والاشتراكيات عاجزات عن هذا الدور الضروري، فماذا عن النساء في حركات الإسلام السياسي؟ لماذا لا يقمن بالتحريض والتوعية؟ أم أن المرأة لا تهم هذه النسويات الإسلاميات تماشياً مع موقف الذكورية من المرأة؟
ما الذي تفعله منظمات ما يسمى الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي ومنظمات المجتمع المدني في هذا الصدد، ما الذي تفعله المؤسسات الأكاديمية؟ لماذا لا تطالب المحافل الدولية ذات العلاقة بها بمقاطعة المؤسسات الغربية النظيرة لها؟ أم أن هذا مثل ذاك مرتبط بالتمويل؟
ترى، هل تقوم الأحزاب السياسية العربية بدور في هذا المستوى؟ أم أن هذه الأحزاب محصورة في نطاق القطرية؟ نطاق قطرية القطر الواحد، وهو الانحطاط الذي قادها لمساومة النظام القطري نفسه، مساومته على كل سشىء.
نتأسى اليوم على نساء العراق، وها قد بدأنا نتاسى على نساء ليبيا. وهذا يثير السؤال: ما جدوى وضرورة هذه المنظمات النسوية العربية إن لم تناضل على جبهة المرأة؟ أم أن هذه المنظمات النسوية ليست إلا صناعة النسويات الغربية يستجلبن الخطاب والسياسات إلى الحد الذي يجعلهن متخارجات عن الواقع والثقافة المحليين فلا تعود المرأة العربية بالنسبة لهن سوى حالة دراسية بل حالة استجداء التموُّل!
عن مدونة كنعان. حركة الديمقراطية الشعبية المصرية
حركة الديمقراطية الشعبية المصرية
العدوان الاستعماري العسكري لحلف الناتو
علي ليبيا مشروع احتلال مباشر
تكرر حركة الديمقراطية الشعبية المصرية إدانتها للعدوان العسكري الاستعماري علي ليبيا الذي قاده ولا يزال يقوده حلف الناتو – الذراع العسكري للامبريالية – بغطاء رجعي ليبي عربي. وتعده مشروع احتلال دولة عربية شقيقة وحلقة من حلقات المشروع الاستعماري المشهر في وجه الشعوب العربية وغيرها من شعوب الجوار المعروف باسم مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وهو المشروع الذي باشرت امريكا وحلفائها الاستعماريين تنفيذه بدءا باحتلال العراق وتمزيقه ويستهدف احكام السيطرة الاستعمارية علي المنطقة العربية وجوارها وحكمها حكما مباشرا من خلال تفكيك دولها وتقسيمها علي أسس دينية طائفية ومذهبية وعرقية وجهوية.
كما ترفض الحركة كل ما يترتب علي هذا العدوان من اسقاط للنظام الليبي بالقوة العسكرية الخارجية الاستعمارية ومن تنصيب لحكومة ما يسمي بالمجلس الوطني الانتقالي المفروض من قبل الدول الاستعمارية والمرتبط أغلب أعضائه عضويا بأجهزة مخابراتها والذين ينتظرون الآن أمر أسيادهم للوثوب علي طرابلس من داخل إحدي البوارج الحربية أو من علي متن إحدي طائرات الأباتشي لحلف الناتو.
مرة أخري ينجح أعداؤنا في تلغيم وتشويش رؤية ومواقف الكثير من القوي السياسية الوطنية المصرية والعربية لمسببات وأهداف عدوان الامبريالية علي ليبيا بالتستر وراء ذريعة حماية المدنيين الليبيين من قمع القذافي ونظامه ونشر الديمقراطية، فراحت تلك القوي تلهث لتهنئة “الثورة” الليبية وانتصارها واعتبارها حلقة من حلقات الربيع العربي والتي تستعيد به الدول العربية ” وجودها الفاعل في مواجهة سياسة العولمة الرأسمالية ” ( علي حد ما جاء ببيان الحزب الاشتراكي المصري علي سبيل المثال !! ).
أليست العولمة الرأسمالية هي الاستعمار الجماعي الذي يرفع ويقبل ” الثوار ” أعلام دوله في بنغازي وطرابلس علي رءوس الأشهاد، وأليست سياستها – المطلوب مواجهتها – هي سياساته التي لاتعشق سوي سفك دماء الشعوب، وتدمير وتجفيف مقدراتها البشرية والمادية سعيا وراء مزيد من التوسع والسيطرة المحمومتين علي خيرات تلك الشعوب وثرواتها ؟.
هل نسيت تلك القوي العراق ومصيره وذرائع غزوه ؟ الا زالت متشبثة بضلالة تقاطع المصالح بين مشروعنا الوطني للديمقراطية والمشروع الأمريكي لنشرها في العالم العربي ؟ الا تتذكر وتتعظ بما كشف عنه قائد حلف الناتو السابق ” ويسلي كلارك ” في مذكراته من أن إدارة بوش وضعت استراتيجية عسكرية منذ عام 2000 تتضمن شن حروب ضد سبع دول لتغيير نظم الحكم فيها تبدأ بالعراق وسوريا وتنتهي بإيران، أما الدول الأربعة الأخرى التي ذكرها في أكثر من حديث تليفزيوني فهي لبنان وليبيا والصومال والسودان ؟ وهل فقدت ذاكرتها وتحاول افقادها لشعوبها فصدقت أن حلف الناتو تحول فجأة إلي جمعية للرفق بالإنسان ( الليبي ) وحقوقه وحريته ؟.
ألا يدرك أصحاب هذه المواقف ان بمباركتهم وتهنئتهم ” لثوار الناتو ” إقرار منهم بمبدأ حق الامبريالية وذراعها العسكري في التدخل في شئون الدول وتغيير أنظمتها بالقوة المسلحة وخلق ” الثورات ” بمقاس أهدافها وهي التي لن تعدم الاستناد إلى أو خلق الذرائع لتمرير تدخلها وعدوانها ؟.
هل اعتبر أصحاب هذه المواقف أن قيادة التحول الديمقراطي في المنطقة قد اضطلعت به قطر والإمارات والسعودية وغيرها من المحميات الأمريكية في الخليج ومشيخاتها الاستبدادية الرجعية الظلامية؟.
ألا تضعف تلك المواقف المؤيدة ” لثورة ” استقوت بالاستعمار و” انتصرت ” عبر حمم مقذوفات طائراته وأسلحته المتقدمة الممنوحة ” لثوارها ” ووحداته الخاصة المحاربة علي الأرض الليبية، فضلا عن إدارة مجلس قيادة تلك ” الثورة ” ( مجلس الخزي والعمالة ) من قبل الصهيوني برنار هنري ليفي والاستعماري القح فيلتمان وغيرهما من أركان قادة أعداء بلادنا، ألا تضعف تلك المواقف وحدة القوي الوطنية أمام العدوانية الاستعمارية الأمريكية الأوروبية الجامحة وتحبط نزوع الجماهير لطريق المقاومة والتحرير وإنهاء الوصاية والتبعية الاستعمارية الذي لا يزال يتحسس موقع أقدامه في مصر وأغلب الدول العربية ؟
إن أهداف العدوان الاستعماري الأطلسي علي ليبيا واضحة لكل ذي بصيرة. الهدف الأول (المباشر) هو الإجهاز علي الدولة الليبية الهشة وتقسيمها وتمزيق أوصال شعبها علي أسس قبلية وثأرية وجهوية وعرقية ودينية، ودفع النزعات الانفصالية عبر إعلاء الشعار الاستعماري المضلل ” توزيع السلطة والثروة ” وإدخال المجتمع الليبي أتون حرب أهلية مديدة ( بدت تلوح معالمها علي الأرض ) مما يشكل الذريعة الجديدة للتدخل ” الدولي ” واضطلاع حلف الناتو بإرسال قواته البرية لحفظ السلم وحماية المدنيين بقرار جديد من مجلس الأمن أو حتي بدونه. وبذلك تكون ليبيا المترامية الأطراف والقليلة السكان والغنية بالبترول قد احتلت احتلالا عسكريا مباشرا لتصول وتجول فيها الشركات الاحتكارية الاستعمارية بتأمين قوات دولها وقواعدها العسكرية المنتشرة علي الأراضي الليبية. أما الهدف الثاني فهو الوثوب الامبريالي إلي قلب القارة الأفريقية الواعدة بخيراتها إنطلاقا من بوابة المستعمرة الليبية مرورا بالجزائر – الدولة المحورية إقليميا – لتفكيكها واحتلالها أو تركيعها في الحد الأدني.
أما عن مصرنا الحبيبة فيكتمل بالوجود العسكري الاستعماري الثقيل لليبيا استكمال تطويق حدودها من الجهات الأربع والضغط علي ثورتها لتدجينها وتوجيه سياستها بالمخالفة لتطلعات شعبنا في استعادة الاستقلال الوطني لبلادنا كشرط أولي للنهوض والتقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
والحركة إذ تكرر إدانتها للعدوان الاستعماري الهمجي علي ليبيا الشقيقة، تدعو الشعب الليبي ( وكل الشعوب العربية ) وقواه ورموزه الاجتماعية والسياسية الوطنية الحقيقية إلي التوحد حول مهمة رئسية واحدة وهي رفض ومقاومة الوجود والتدخل الاستعماري العسكري والسياسي علي أرض ليبيا، وإلي نبذ ومحاصرة قوي النخاسة والعمالة لأعداء بلادنا ممن يدعون تمثيل ثوراتنا الوطنية وهم يهدفون في الحقيقة إلي تسليم بلادنا لقمة سائغة مهلهلة لأسيادهم الاستعماريين، واعتلاء ظهور بوارجهم ودباباتهم وتسويق الحكم الاستعماري الكريه.
حركة الديمقراطية الشعبية المصرية… 26 أغسطس 2011
الأحد، 28 أغسطس 2011
ليبيا: الاصطفافات: سياسية، قومية، إيديولوجية… لا دينية
ليبيا: الاصطفافات: سياسية، قومية، إيديولوجية… لا دينية
عادل سمارة
من دروس الأزمة الليبية وجوب تسمية الأشياء بجواهرها، لا كما تُعرض على نهج وإيديولوجيا السوق والتسويق. دوماً كانت الاصطفافات بدوافع سياسية، مادية مصلحية، إيديولوجية، وقومية وطبقية…الخ، والأهم أنها لم تكن دينية لا في المبتدأ ولا في المنتهى. وهذا يسمح بالقول: طالما جرى استخدام الدين، فهل آن الأوان لردِّ ذلك؟
يشتد النقاش وسيمتد حول المواقف من ليبيا، ولعل أكثر القضايا الموجبة للنقاش هي مواقف الشيع والأحزاب الإسلامية من هذه الأزمة. فهذا باسم الدين يبرر استدعاء العدو، أو ينكر أن الناتو هو الذي احتل ليبيا واسقط طرابلس ويحذر من مجيىء الناتو! وهذا باسم الدين يشارك الناتو غزو ليبيا، والمجلس الانتقالي كذلك باسم الدين يهب ليبيا للناتو. فأي موقف هو ديني واي موقف هو سياسي؟
وقد يجوز لنا القول هنا، أن الخاسر من هذه الفوضى على الأرض، والترتيب المحكم في قيادة العالميات الثلاث هو الشعب العربي (القومية العربية) والدين الإسلامي نفسيهما لأن نتيجة كل هذا فقدان الوطن العربي قطراً قطراً، إلى درجة الاعتياد على هذا الفقدان والتعايش معه كما لو كان وعداً إليهاً وخاصة حين تُضاف إليه تخريجات من الدين.
يفتح هذا على معنىً لنقاش العروبة والإسلام كأساس ومن ثم نقد أنواع الإسلام الدخيلة كنتائج خطرة.
الإسلام دين عربي، بدأ بالعرب كأمة ولغة وجغرافيا، ولو كان غير ذلك لأنزل الكتاب بلغات أخرى كانت موجودة في ذلك العصر وقبله. وهذا يطرح شكوكاً كبيرة على الذين يعملون بخطاب مخفي أو معلن على فك الدين عن العرب واحتواء هذا الدين سياسياً وقوميا وحتى جغرافيا إليهم! وهذا يذكرنا بقيام الغرب الراسمالي بسرقة السيد المسيح وإنشاء طبعة عدوانية دموية بيضاء للسيد المسيح واختطاف المسيحية من الشرق بل واختطاف المسيح كفلسطيني. ولعل أخطر طبعات توظيف المسيجية هي المحافظية الجديدة، وهي الوليدة الطبيعية للإنجيلية/البروتستانتية البريطانية.
كما يقوم هؤلاء، وهم كثرة متكاثرة باختصار وحصر وجود العرب بالإسلام، وهذا منافٍ لكل من الرواية الدينية والرواية التاريخية، ولا أدل على ذلك من نزول الدين بهذه اللغة العريقة والجميلة. فماذا وراء نفي الوجود والتاريخ العربي ما قبل الإسلام؟ هل المسألة ثأر من عاد وثمود وطسم وجديس وحِميَر وسبأ والاشوريين والكنعانيين…الخ أم خطة سياسية خطرة ضد القومية العربية المعاصرة للحيلولة دون وحدة العرب وتنمية وطنهم؟
من مقاصد اختصار العرب في الإسلام نفي وجود وحق العرب المسيحيين في وطنهم العربي، وهذا إشعال لفتنة يزكيها الغرب الراسمالي الاستعماري دون توقف وتصب في خانة رفع “فرق-تسد” إلى تذرير الوطن العربي.
وربما من أحد الأسئلة إلى الأمم والقوميات في بلدان إسلامية والتي تزعم أنها حامية حمى الإسلام ومركز الخلافة، لماذا لا تعتمد العربية طالما هي لغة الإسلام؟ قد يزعم البعض أن هذا غير عملي. ولكن، الم يقم أتاتورك بتحويل تركيا إلى الابجدية اللاتينية؟
لعل أوضح تسييس للإسلام كامن في معاداة مراكز دولانية إسلامية للقومية العربية من جهة، وظهور أحزاب وقوى سياسية تعتبر الإسلام كدين دستورها كسياسة. وبالطبع فإن أخطر تناقض لديها هو في اختطاف الدين واللغة ومعاداة العرب كأساس للإسلام! وإذا كان تبرير هؤلاء ان العرب أمة وبالتالي لا يجوز نسب الإسلام لقومية معينة، يقصدون العربية، فلماذا لا يتخلون عن قومياتهم ولماذا يغتصبون اراض عربية وهي اراضي مسلمين؟
إن المركزين الرئيسيين للدين السياسي في هذه المرحلة هما تركيا وإيران. وهما يناصبان القومية العربية العداء باسم الدين وكأن العرب ليسوا مسلمين، أو ليسوا اساس الإسلام. فتركيا تحتل أراض سورية، وإيران تحتل أراض عراقية وخليجية؟ فهل هذا الاحتلال ديني أم قومي –سياسي؟
من ناحية دينية لا يجوز لمسلم احتلال أرض مسلم ولا غير مسلم؟ فهل هناك تفسير غير التفسير السياسي القومي؟ بل ليس هناك من تفسير حتى طائفي، فالاحتلال التركي هو سني يحتل أراض سورية سنية؟
هناك دمج مقصود بين القومية الطورانية والطائفية السنية وبين القومية الفارسية والطائفية الشيعية، وهو دمج طائفي أرضيته وجذره الحقيقيان ارضية وجذر قومي يجري تغليفه بغطاء ديني. مع أن العرب وحدهم الذين يحق لهم ربط الدين والقومية معاً لأن الدين بدأ عربيا في الموقع واللغة والشعب نفسه. وهذا يفتح على خطورة محاولات فك العرب عن الإسلام وخلق إسلام جديد معادٍ للعرب.
إذا كان الإسلام هو الإسلام، وهو كذلك إسلام واحد، فكيف يتم تبديل هذا الأصل بتفرعات وطقوس طائفية سنة وشيعة وزيدية واباضية…الخ؟ وكيف يقبل المسلمون بمن فيهم العرب هذه الحروب والصراعات البينية القائمة على اسس طائفية؟
ولعل المشكلة أكثر خطورة. فلنسأل: أين يقع الإسلام الواحد والحقيقي كما هو في النص، اين يقع من الإسلامات المحدثة في العالمين العربي والإسلامي؟
هل الوهابية هي الإسلام بغض النظر عن الأبحاث التي تبين ان صاحبها كان مدعوماً من الاستعمار البريطاني؟ ومن اين للوهابية حق معاداة الإسلام الشيعي إذا كانت هي لا تمثل الإسلام وحدها؟ وإذا كانتا معا تمثلان الإسلام فهل الإسلام وهابي وشيعي معاً، و/أو سني؟
وماذا عن الإسلام التركي الذي لم يدخل بلداً فيه حضارة إلا حطمها[1]، والذي يتحفز اليوم لتحطيم الأمة العربية حيث يمتد تآمره من دمشق إلى طرابلس الغرب؟ هل تدخل تركيا في سوريا بدافع إسلامي؟
وهل احتلال جزر طنب الصغرى وطنب الكبرى وابو موسى من قبل إيران هو امتداد لنشر الإسلام مجدداً. هل هو احتلال جيو-بولتيكي أم نشراً للدين؟ وهل استسلام نظام الإمارات العربية المتحدة للاحتلال الإيراني لهذه الجزر قائم على فتوى بأن كلها ارض الإسلام؟ وإن كان كذلك، فلماذا يتوسع إسلام على حساب آخر؟
وبعيداً عن الطائفية والشيع والبدع والنِحل، هل الإمارات دولة إسلامية حيث ترسل طائراتها “لإنقاذ” مسلمي ليبيا من نظام القذافي، بينما تجعل من دُبيْ ماخوراً دوليا وتقيم فيها أبراجاً لإيواء مافيا العالم؟
وهل صمت الكثيرين من العرب (أنظمة وقوى سياسية وجمعيات خيرية) عن الإمارات وقطر والسعودية وكل الخليج في تخريبهنَّ الوطن العربي وتسليم بلدانهم للاحتلال الأجنبي ناجم عن رشوة هؤلاء جميعاً بأموال الريع النفطي؟
أليس هذا المال أخطر من أموال الأنجزة الغربية؟ فهذه أنجزة وأموال حكومية باسم الدين لتدمير الأمة العربية وتسليم اقطارها واحدا بعد الآخر للغرب الرأسمالي.
إذا كنا نقبل بتعددية إسلامية: تركي، فارسي، وهابي، أميركي، فلماذا نعترض على إسلام صهيوني؟ اليس هناك إسلاماً صهيونياً يعترف بالكيان الصهيوني؟ وإلا ما معنى اية علاقة بين إسلام حقيقي وإسلام يعترف بالكيان؟
الدين والأرض:
كما اشرنا أعلاه، هناك أنظمة تزعم أنها عربية ومسلمة وحتى حاضنة الإسلام، اي النظام السعودي الذي يمول ويشارك في إدارة كافة المؤامرات ضد العرب والمسلمين الأحرار بينما يُخضع أقدس الأماكن الإسلامية للمحتل الأميركي وتمتلىء ارض بلاده بالقواعد الأجنبية. فهل هذا نظام إسلامي؟
نظام يستدعي الاحتلال من جهة ومن شدة قمعه للشعب يخلو حتى من معارضة سياسية لوجود هذه القوات والقواعد الأجنبية.
هل إمارة قطر إمارة إسلامية بينما أرضها مجرد قاعدة للمحتل الأميركي وتستقبل أركان الكيان الصهيوني على أرضها وفي قناة الجزيرة؟
والمفارقة، أن النظام السعودي يتصرف في علاقاته العربية تصرفاً فوقياً لتغطية ارتباطاته العميقة بالمركز الغربي الراسمالي، كما تقوم إمارة قطر بدور الحَكَم في خلافات عربية هي سياسية وطائفية بينما هي قاعدة عدوان على الأمة العربية، ومتورطة في علاقات مع الكيان الصهيوني تفوق ما كان عليه نظام مبارك. فما السبب في الصمت عن هؤلاء سوى الرشاوى المالية؟
يثرثر الكثير من المسلمين بأن القدس وقف إسلامي ولا بد من تحريرها؟ فلماذا لا يقومون بذلك؟ أم أن حقيقة اعتقادهم أن القدس ارض عربية وبالتالي لا توجه حقيقي لتحريرها بل بالعكس فهذه الأنظمة تقيم علاقات سرية داخلية مع الكيان؟
بل لماذا لا يحرروا الكعبة؟ اليست محتلة؟ أليست هذه وقفاً إسلامياً؟
وحدة المسلمين:
كثيرا ما يتم الحديث عن “الأمة الإسلامية” و “وحدة الأمة الإسلامية”. فهل يجوز الحديث عن أمة تحتل دولة منها أرض دولة/دولاً أخرى؟ اليس الأجدر برجال المؤسسات الدينية والمؤتمر الإسلامي ومؤتمر علماء الدين أن يطلبوا أولاً رفع احتلال دولة عن أخرى حتى يتسنى الحديث عن وحدة؟ كيف يُفتي الشيخ القرضاوي بذبح ثلث الشعب السوري إذا كان ذلك سوف يُسقط نظام البعث ويتعاون في الوقت نفسه مع النظام التركي الذي يحتل لواء الإسكندرون ويهدد بالعدوان على سوريا؟
هل هذا داعية إسلامية، أم داعية ضد الأمة العربية؟
في كثير من المؤتمرات لإسلاميين يتم التركيز الهجومي ضد القومية العربية، هذا رغم أن العرب ليسوا دولة واحدة بل مفككين إلى دول ودويلات عديدة. فهم لا يشكلون خطراً على أحد، بل عليهم يقع كل الخطر. والعرب وحدهم الأمة الوحيدة بين المسلمين المفككة والتي اراضيها محتلة من مسلمين وغير مسلمين. فلماذا رغم ذلك يتم استهداف القومية العربية؟ لقد رأيت هذا الاستهداف عام 1985 في مؤتمر إسلامي في لندن حيث كان الهجوم في مختلف الأوراق ضد القومية العربية دون ان تُذكر قومية غيرها!
وإذا كان كل هذا التفاهم بين أنواع المسلمين ما خلا العرب، فلماذا لم تتحد الدول الإسلامية دون العرب أو حتى اية دولة إسلامية مع اخرى؟ ما الذي يشغل مسلمي نيجريا؟ هل يمنعهم العرب من توحيد مسلمي افريقيا؟ لماذا لا تتحد تركيا وإيران الإسلاميتان؟ هل تقوم العلاقات بينهما على ارضية الإسلام أم المصالح القومية وطموحات البرجوازية لديهما في اسواق العرب؟
ولكن، إذا لم يكن اتحاد المسلمين ممكناً، فلا اقل من التوقف عن معاداة العرب والارتباط والارتهان للغرب الراسمالي؟ وهذا يفتح على ما يدور في ليبيا حيث تلتقي أنواع عدة من الإسلام ضد الشعب والأرض العربية في ليبيا: الإسلام الأميركي والإسلام الصهيوني والإسلام التركي والإسلام الوهابي السعودي والإماراتي والقطري، والإسلام الشيعي؟ ما الذي يجمع كل هؤلاء ضد نظام القذافي غير عدائهم للأمة العربية مدفوع بعضهم بخطاب مخفي وبعضهم بخطاب معلن؟
اليس هذا التحالف المتعدد هو نفسه الذي يدعم النظام العراقي وليد الاحتلال الأميركي؟ الا يؤكد هذا الدعم أن تدمير العراق كان فقط لضرب محاولة بناء دولة عربية قومية؟
هل نخلص من هذا إلى حقيقتين متناقضتين:
الأولى: أن هناك وحدة إيمانية للمسلمين بعيداً عن وحدة الإسلامات السياسية ونقيضة لها؛
الثانية: أن وحدة هذه الإسلامات السياسية هي مشروع سياسي يتلاعب به الغرب الراسمالي وتوابعه من الأنظمة التي تتحكم بالمسلمين وتسخرهم بشرا واوطانا وثروات للمركز الراسمالي. إن اللغط عن هذه الوحدة مقصود به التفكيك وتمكين الاستعمار من الأمم المسلمة.
إن التجاوز على الحقائق المجتمعية أمر خطير على الأمم البشرية والعلم، وأوضح هذه الحقائق هي أن البلدان الإسلامية كمختلف المجتمعات البشرية مكونة من طبقات وشرائح اجتماعية كأية تشكيلات اجتماعية اقتصادية في العالم، وان ما يحدد خريطة اي مجتمع هو نمط /أنماط الإنتاج المهيمنة فيها. وليس هذا تحليل نظري مجرد، فالأنظمة العربية الحاكمة تمثل طبقات لها مصالح متخارجة مع راس المال العالمي وذلك على حساب الطبقات الشعبية العربية، وهذا يعني أن التناقض بين الأنظمة الحاكمة والطبقات الشعبية هو تناحري على الرغم من عدم اشتعال هذا التناقض إلى ساحة الصراع الطبقي بعد وذلك لذلك القدر الهائل من القمع.
وفي حقيقة الأمر فإن الكثير من الأنظمة في البلدان المسلمة هي في حالة أقرب إلى الوحدة فيما بينهما تحت الهيمنة الأميركية بينما يُحال دون الحد الأدنى من تواصل الشعوب لا على المستوى الثقافي ولا الاقتصاي بالطبع. ومع ذلك، ليس هذا كل ما يحتاج إلى قولٍ في هذه اللحظة.
[1] ماذا يستنتج القارىء للتاريخ حين يعرف النقلة الحضارية التي وفرها العرب لللأندلس على مدى 800 سنة ويقارنها بالتخلف والدمار الذي أحدثته تركيا في الوطن العربي في 400 سنة؟ هل هذا إسلام وذلك إسلام، أم أن الإسلام العربي هو الحقيقي؟ لو لم يقم العرب سوى باختراع الأرقام التي تقوم عليها كل العلوم، وبإنشاء حضارة الأندلس، لكان هذا يكفيهم أنهم أمة ساهمت في بناء تاريخ الإنسانية على قدم المساواة مع أعظم الأمم.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)