الاثنين، 7 مارس 2011

الثورة العربية : بعد سقوط العملاء، رائحة الغرب تزكم القلوب.

     الثورة العربية: بعد سقوط رأس النظام الرائحة الغربية تزكم القلوب.
مراد عمرو


              لاشك لدي بان الثورات الشعبية العربية الهادرة تنبض بقلب قوي، وبأن الشعوب العربية وصلت إلى نقطة إلا عودة مع الأنظمة العميلة، أو عرب-وست، كما أن الأيام وما تجلبه من أحداث تشير على أقل تقدير أن هذه الشعوب لا تخدرها المسكنات والمهدئات التي تقدم لها بشكل يومي وأسبوعي من خلال التجاوب مع بعض المطالب، خصوصا في الثورات العربية (تونس ومصر) التي أسقطت رأس النظام، لكن الخطورة تبقى محدقة بهذه الثورات من خلال محولات الغرب وأنظمته على احتواء الثورة وإعادة صياغة النظام بطريقة مقبولة، ليبقى المحور الأساسي هو مصلحة الغرب ومشروعه الصهيوني الإمبريالي وتوفقهما هو الأساس في مستقبل الأنظمة العربية كافة، ويمكن أن تلخص مظاهر الخطورة والثورة المضادة في سبع محاور نوردها هنا. 


                أولا: الجيوش العربية التي تعايشت وعاشت في ظل الأنظمة المستعربة، لا يمكن أن تكون قيادتها حامية للثورات الشعبية.  وعبارات المديح التي تكال لتلك الجيوش من وسائل الأعلام انتهاء بالأحزاب الإسلامية الأكثر راديكالية تصب في مجملها في صالح الغرب الاستعماري الذي خدر هذه الجيوش الفاقدة لأي مخزون استراتيجي حقيقي، فهذه الجيوش صاحبة تاريخ تطبيع وتعاون طويل مع هذه الغرب. الكثير من المفارقات والأسئلة يمكن أن تطفو للسطح في هذه اللحظة، لكن أهمها أن تدخُل هذه الجيوش جاء في التوقيت الذي فقد فيه رأس النظام الشرعية أمام المد الثوري الشعبي العارم، فجاءت لتنقذ النظام القاعدي القائم على حماية المصالح الغربية، وطبيعية النظام الأساسية التي تخشى الولايات المتحدة وأوروبا أن تنهار، فتفقد بهذا أي قدرة فعلية على التحكم في النتائج الفعلية للثورات الشعبية. هذه الجيوش هي التي حمت ولم تهدد رأس النظام خلال عقود، واليوم وبالرغم من المسرحية الدرامية للجيوش البطلة ، فأنها تحاول امتصاص التأثير الحقيقي الممكن للثورات الشعبية، من خلال تغير الوجوه، ورعاية عملية التغير التي يجب أن لا تمس العصب الأساسي للمصالح الغربية. ولازالت أجهزت امن الأنظمة البائدة وبالرغم من الخلل الذي أصابها تلعب في الخفاء بمراقبة ومباركة هذه الجيوش، ووحده الشارع والشعب والحمية والنزق الثوري هي ما يكبل أيادي هذه الجيوش من قمع الجماهير.

              ثانيا : سقوط الحكومات التي تركها رأسي النظام في مصر وتونس، ليس نهاية المطاف، فالوزير الأول الجديد  ( كما يطلق على رئيس الوزراء في تونس) من بقايا نظام بورقيبة، أي أنها رضع الحليب الاستعماري الفرنسي، وأبن علي ليس إلا الورثة السيئة لبورقيبة، والمغالطة في القول أن تونس تحررت من 23 عام من الاستبداد يهدف أساسا إلى تبرئة العميل الأول إذا جاز التعبير، وليت العرب يقرؤون فرانسيس فانون في المعذبون في الأرض. أما في مصر وبالرغم من سقوط رأس حكومة مبارك " شفيق" فأن الإبقاء على أغلب وزراء الحكومة يثير الريبة، خصوصا أن رئيس الوزراء الثورجي أمتنع عن أداء القسم أمام جمهور ميدان التحرير. ولم يمضي أقل من ثلاث أيام على تكليفه إلا وعادت فلول البلطجية للتحرش وقمع المحتجين. قد يقول قائل أن هذه حكومات مرحلة انتقالية، ونرد بأنه ولهذا السبب بالذات فأن إدارة المرحلة  بأشخاص لهم علاقة بالماضي هو التجلي الأقوى للثورات المضادة.

             ثالثا:  خلع أو طرد بن علي ومبارك، ليس ألا حرق وجوه، وكل رأس مؤسسة في دولة النظام ابتداء من رئيس الأركان وانتهاء برئيس تحرير أصغر صحيفة هو بقايا لهذا النظام، ونخص بالذكر النائب العام المصري. وهؤلاء ما كانوا ليحتلوا هذه المواقع لولا أن النظام راضي عنهم، ولنا فيما رشح من وثائق عن تدخل جهاز أمن النظام المصري الدليل الأكبر على أنه في هذه الأنظمة لا يتم التغلغل في المؤسسات وحسب، بل في العائلة الواحدة. ومن هنا فأن الطريق طويل أمام الثورتين والثوار في البلدين قبل مغادرة الميادين والشوارع والعودة للبيوت.

            رابعا: عودة الغرب من الباب من خلال الخطب الحماسية في واشنطون ولندن وباريس والعواصم الامبريالية كافة، ومن خلال زيارة ميدان التحرير، وعرض المساعدات، يجب أن يكون على رأس أولويات الثوار. فهذا الغرب الذي أسس هذه الأنظمة وساندها، ولم ينادي بحرية الرأي وحقوق الإنسان إلا في سبيل تمرير خططه ومشاريعه، ليس معنيا بأي شكل من الأشكال بعالم عربي حر وديمقراطي، لان هذا بالذات سيعني تعطيل المصالح والخطط الغربية وسيهدد بؤبؤ عين الغرب إسرائيل. ومرة أخرى فأن الغرب ونخبه في الأنظمة المستعربة يقودون الثورة المضادة، والاعتقاد بأن هذا الغرب سيقود حملة مارشال كما فعل بعيد الحرب العالمية الثانية هو خيال واقعه العمل على أكمال الدور الوظيفي الاستعماري للأنظمة العربية.

           خامسا :   أمين عام الجامعة العربية، الذي سارع للاستقالة من أجل الترشح لرئاسة جمهورية مصر العربية، هو العراب والمشرف العام على حالة التراجع والانبطاح التي تفاقمت في زمن توليه هذا المنصب الفارغ من أي مضمون بالنسبة للشارع العربي الملتهب. ولقد كشفت جراءة  ويقظة الثوار في مصر من خلال التحفظ على وثائق جاهز ترهيب الدولة بان موسى كان من الأشخاص الذين لعبوا دورا مهما في خطة النظام المصري البائد في امتصاص ثورة مصر الشعبية العظيمة من خلال ما أطلق عليه لجنة الحكماء. والتي كانت أهدافها مفضوحة خصوصا في ظل صلابة الثورة المصرية التي لازلنا نراهن عليها، فموسى لا يختلف عن الغنوشي ولا شفيق ولا طنطاوي ، وما أنجزته الجامعة العربية في زمنه لا يعدوا تمرير ما يسمى بالمبادة العربية المذلة.

           سادس: كان الشعراء قديما يتقلبون حسب العطايا الموهوبة من الحاكم،  ولنا في المتنبي المثل والصورة عن هذا التذبذب والتقلب حسب العطايا،  غير أن الكثير من أفذاذ الشعر المعاصر قد تمردوا على هذه العلاقة مع الحاكم، باستثناء البعض مع الأسف.  لكن ما يثير الحيرة و الاستغراب هو التحولات والتقلبات العجيبة لجيش الإعلاميين الذين خدمت أقلامهم وأعمالهم النظام في مصر وتونس، فجأة أصبحوا منظري الثورات في البلدين بعد أن كانوا أقوى أسلحة تظليل في حملة هذه الأنظمة ضد الشعب وثورته. هذه الظاهرة هي بالضبط شكل من أشكال الخطورة التي تلف الثورات العربية في هذه البلدان، لأنه كما أن هؤلاء الإعلاميين الفاسدين يتساقطون وينقلبون على سيدهم الذي مدحوه طوال عقود ، لا لشيء إلا للحفاظ على بنية وهيكل المؤسسات الإعلامية الفاسدة التي بنيت خلال العقود السابقة، هذا هو الفساد بعينه في زمن الثورة والذي يجب أن لا تقبل به الثورة، لان المفسدين الإعلاميين بهذه الطريقة يحاولون البقاء في العهد الجديد، وحتى وأن كان سلوكهم للمنفعة الشخصية، فان عدم تجديد الدماء وإعادة صياغة وهيكلة المؤسسة الإعلامية بما يحقق أهداف الثورة على هذا المجال، سيبقى واحد من أنظمة الفساد القديمة قائمة وتأتمر بأقطاب النظام القديم، وتلعب لعبة إعلامية أخطر من السابق ولكن بطرقة أكثر احترافية.  وأخيرا، فان هذه المؤسسة التي عملت خلال عقود على تفريغ الوعي وتخريبه، وعممت الثقافة الهابطة،  لا تعتبر جريمتها بأي حال من الأحوال اقل بشاعة من جرائم الأجهزة الأمنية والمستبد الفاسد.

    سابعا: الفزاعة الاقتصادية، بعد أن سقطت فزاعة التطرف الإسلامي، تحاول نخب النظام أو أشباه المثقفين، الذين ينطلقون من خطاب التعقل الذي أنتهك أي روح تغير أو تجديد خلال عقود ، أن يصورا  الآثار الاقتصادية الناجمة عن الثورة على أنها كارثة لا يمكن التعايش معها، ونسمع من كل صوب عبارة مشبوهة يطالبون فيها إلى عودة عجلت الاقتصاد والحياة الطبيعية، ولا ادري ما المقصود من هذه العبارات؟ هل كان هناك اقتصاد حقيقي أو حياة طبيعية قبل رحيل الطغاة في النظامين المصري والتونسي، فعلى صعيد الاقتصاد، كان المستفيد من كل الموارد النظام وطبقاته ، أما الحياة تحت القمع والخوف، فهل هذه حياة طبيعية ؟ ولنا عبرة في القديس محمد بوعزيزي وعربته الأيقونة في نفي هذه العبارات الفارغة من المعنى فلولا الحياة الغير طبيعية والاقتصاد المدمر لما سمعنا عن فعل بوعزيزي الثوري ولا شاهدنا صورا لعربته المعبرة عن هامش الاقتصاد الذي سمحت به هذه الأنظمة.  وليس من أسما أفضل لهذه الثورات من أسم ثورة محمد بوعزيزي وعربته، لكي نتذكر دائما وأبدا ما الذي فعلته بنا هذه الأنظمة العميلة للامبريالية.