صدمة قتل الأب : غيبوبة وارتباك في مشهد كوميدي
مراد عمرو.
يهرول الجميع إلى الثورة للتمسح بثوبها الناصع، الكل يسير مع الثورة، الكل يريدوا أن يحمي الثورة، يتقاطرون من واشنطون ولندن وباريس، تصريحات ومناورات اتصالات ومقالات، الأنظمة التي أسقطتها الثورة تبادر لإنشاء أحزاب من رحم الثورة، والقوى والنخب المعارضة البالية تحول القفز في الواجهة. لكن الثورة بعزمها وقوتها تجرف أو تكاد كل متسلق، ليست إلا فتاة في مقتبل العمر، تنموا بدم جديد ويافع، فقط أبنائها الحقيقيون يعرفون كيف يذودون عنها، أصواتهم هي ألضمان المؤكد لنهاية نحلم بها، أما البقية فهم مُدعي وصاية، من أجل تربية الثورة على لغة ومفاهيم تتعارض مع أصغر تفاصيل اليافعة الملتهبة.
الأمر الوحيد الواضح، هو أن أحدا لم يفهم الدرس، أو قل أنهم لا يريدون أن يُفهم الدرس. و الحقيقة أن هذا الأمر مفهوم فيما يتعلق بالغرب المنافق بكل المعاير- غرب صليبي- لم يتغير منذ قرون عندما يتعلق الأمر بالعرب و فلسطين على وجه التحديد، كما أنه مفهوم عندما يتعلق بالثورة المضادة التي يقودها فلول الأحزاب و الأنظمة المتساقطة في العالم العربي كالذباب، لكن الغريب والمريب والعجيب،أن يتجاهل الدرس معارضي وسياسي الأمس، حالة من البلاهة السياسية و الفكرية تلف من أطلقوا على أنفسهم قديما نخب الرفض والمقاومة.
الدرس الصغير الذي يبدوا أنه عصي على الترجمة لوعي وفهم حقيقي، مفاده أن ما قبل ثورات الشعوب- لا أحب تسمية ثورة الشباب لأنها مشبوهة بالرغم من أنها ثورة شباب في الواقع- العربية في تونس ومصر على الأقل للحظة، لن يعود للوجود، في فهمي المتواضع لتطلعات المشاركين في اكبر وأعظم الثورات العربية التي شهدها العصر الحديث، بأن ما دفع الشباب والشعوب للخروج إلى الشارع ليس فقط الدعارة السياسة والقومية والاستعمارية التي تمارسها الأنظمة العربية بدون استثناء، ولكن أيضا الخمول والجمود والرجعية التي تعاني منها كل الأطياف السياسية والثقافية والفكرية، والتي عبرت عن نفسها من خلال تدني سقف مطالب هذه الأطياف و النخب في بداية التحركات الشعبية، و التحاقها المتأخر بالثورة فقط عندما أضحت واقعا قويا يفرض نفسه على حياتهم وحياة الأنظمة الرثة التي تعايشوا معها طويلا.
أحد اكبر مظاهر عدم قدرة هذه الأطراف على الانخراط والفهم الحقيقي للثورة هو جماعة الأخوان المسلمين في مصر، حيث تكشف الأيام التالية للثورة الكبرى في مصر، مدى مماثلة هذه الجماعة - التي اعتبرت لوقت طويل المعارض الأقوى و الأخطر- لنظام العميل الأمريكي حسني مبارك، وهي تواجه اليوم تحدي جديد، من الداخل أساسا، من الشباب الذي يرفض الوصاية الأبوية التي فرضها المتنفذين من شيوخ وكهول الجماعة الذين حافظوا على مناصبهم بالقدر الذي حافظ على مقعده مبارك. ولهذا فحتى الجماعة اليوم تعيش حالة من الثورة من قبل الشباب الذين يرفضون هياكل وكهول الجماعة التي لا تختلف كثير عن المخلوع في شرم الشيخ.
لا زالت الثورة التونسية الطليعية، تقدم الدرس تلو الدرس للجميع، فبالرغم من المخاض العسير في مرحلة ما بعد انهيار النظام، غير أن الشباب والشعب التونسي يواصلون طرق"دق" النظام البائد وأقطابه وعلاقاته، مع وعي عميق بأن لا فرنسا ولا الولايات المتحدة ستترك تونس الخضراء في حالها، ولكن الشعب الثائر يعلم بأن قوته الأخلاقية و الفعلية أقوى من محاولي الالتفاف الداخليين والخارجيين على حد سواء، فثورتهم هي التي هزت العالم مع الاحترام للأخوة في مصر، وطالت أبعد من حكومة الغنوشي الممتدة من النظام البائد، فوصلت لقصر الأليزي الذي لازال يتعامل مع أفريقيا على أنها الحديقة الخلفية لفرنسا وأوروبا ومستعمرته الأبدية، خصوصا تونس الحديقة التي كرس فيها نموذج الدولة الفرنسية البالية و المتأزمة منذ الثورة الفرنسية، والثورة التونسية جاءت لتكشف عن فرنسا ونخبتها السياسية بكافة أقطابها ورقة التوت التي تخفي العورة الامبريالية الاستعمارية لفرنسا، ورقة التوت التي كتبت عليها فرنسا شعارات لم تطبق أبدا في فرنسا لا في الداخل ولا في العلاقة مع الخارج- الحرية، الأخوة، والمساواة- فلا فرنسا حرة ولا تهمها الحرية، ولا أخوة ولا مساواة، وما من دليل أكبر على ذلك من واقعها وتاريخها الاستعماري الاستعلائي، وهنا يكمن مربط الفرس، فالثورة العربية الحديثة يقف على رأس مطالبها قتل الأب، الوصي الاستعماري وممثله المحلي وصولا إلى أجهزته وخطابه الأبوي ألبطريركي وانتهاء بمصالحه الغير إنسانية.
من المؤكد أن الكثير من القراء العرب لا يعرفون قصة الممثل الكوميدي الفرنسي كولوش، خصوص في المشرق العربي، فكلوش ممثل كوميدي فاجأ الجميع في العام 1980 عندما قرر أن يرشح نفسه للانتخابات الرئاسة الفرنسية، خصوص وهو الساخر من المؤسسة والسياسيين الفرنسيين، ولكن المفاجأة الأكبر هو أن استطلاعات الرأي بدأت تصب في صالح الرجل، مما دفع السياسيين في الحزبين الفرنسيين المتناوبين على السلطة للضغط عليه من أجل ترك المنافسة، وتلقى الكثير من التهديدات على حياته، مما دفعه لترك الأمر. قتل كولوش في ظروف غامضة لازال الفرنسيون يعتقدون أن للسياسيين الفرنسيين يدا فيه. هذه هي فرنسا وهذه هي ديمقراطيتها، وقس على أوروبا والولايات المتحدة. فالعنصرية والامبريالية مركب مهما في الدم السياسي الغربي، داء أخطر من الإيدز.
وأي يكن من أمر، فأن الثورات العربية لا تكتمل أن لم تقرأ هذه الخارطة العالمية التي تعصف بها الأزمات الاقتصادية والسياسية، ولا تكتمل قرأت هذه الثورات أن لم يدرك العالم والأنظمة والأحزاب والمنظمات التقليدية العربية، بأن الثورة العربية عميقة واعية لا تقف عند حد قطع رأس نظام ولكنها تريد أن تغير واقع، أنها ثورة قيم وتطلعات متراكمة وضاربة في التاريخ والحاضر والمستقبل. وكان يكفي شعار في ميدان التحرير ليرد على المقللين من الأسباب والأهداف الحقيقية لهذه الثورات من شعار بسيط كتبه أحد المصرين على يافطة بخط يده " ثورة سباع مش ثورة جياع".
بالنسبة للاستعمار وأذياله ولكل متتبع، فأن هذه الثورة بالمفرد صدمة حقيقة بما للصدمة من قوة ومباغته ورهبة، ومعروف أن من النتائج الطبيعية للصدمة من المنظور النفسي أن تأثر على الوظائف الاعتيادية للفرد، وهو ما يحدث في هذه اللحظة للعالم وبدون مبالغة، فالغرب مرتبك في الطريقة الأفضل للتعامل مع هذا الحدث وتفسيره، وكل من يعتقد أو يروج لنظرية المؤامرة يبني تفسيره وتحليله على القيم القديمة المتداعية في العالم العربي، فالغرب المهزوم عسكريا في أفغانستان والعراق، والمنكمش بسبب أزماته الاقتصادية والأخلاقية، غير قادر حتما أن يكون كما يروج البعض الفاعل الخفي في الثورات الشعبية التي تعصف بالأنظمة التي لا تمثل إلا مصالح الغرب. والحقيقة أن هذا التفكير العضامي المرضي نابع عن فانتازم مرضي يرى في الغرب كلي القدرة، موجود في كل مكان وقادر على كل شيء، تفسير قديم وتقليدي لجيل من القوميين أو الإسلاميين المهزومين والعاجزين، محاولة للتخفيف من فداحة العجز والتخشب الذي يعيشه هؤلاء.
نظرية المؤامرة تنقلنا إلى الحديث عن ما كان يسمى النخب المقاومة في العقود الأخيرة، والتي وقعت كما حال الأنظمة و الغرب تحت وطأة الصدمة، فارتبكت حالها حال الآخرين، وفي ونفس الوقت تحاول هي الأخرى اللاحق بالقطار السريع والفاتك ولكن بطريقة التفكير البالية والتقليدية والعاجزة التي ترعرعت عليها وفشلت طوال عقود في التقدم قيد أنملة، بل ساهمت بطرق مباشرة وغير مباشرة في تعميق حالة التردي العربي. لهذا فليس مجحفا القول بأنها وبالرغم من عدائها للأنظمة المنهارة والغرب الاستعماري غير أنها تتقاطع معهم في طريقة التعامل والتحليل للمشهد الجديد المنبثق من الرماد " العنقاء".
في المقابل وفي مشهد ليس أقل درامية، يحاول البعض من عرابي الغرب و بقايا الأحزاب والمؤسسات التقليدية المتأثرين سلبا بهذه الثورة، أن يخلقوا شبه ثورة استباقية في سبيل تفادي الإعصار القادم، ويقف على رأسهم الساسة والنخب الفلسطينية التي هرعت للإنترنت و الفيس بوك ضنن منها أن هذه الوسائل هي ما يصنع ثورة يمكنهم التحكم بها، أليس هذا مشهد أكثر كوميدية من حالة الإنكار والهلوسة التي يعبر عنها المجرم الليبي المعتوه. الكل هرع للتحاور مع الشباب عبر الفيس بوك، وكأنها العلاج لحالة الغيبوبة والاستغباء التي تعيشها هذه النخب والمؤسسات، فجأة وبين ليلة وضحاها أصبحنا نجد في الخطاب السياسي والإعلامي حضور طاغي للشباب، الكل يريد أن يحاور الشباب بنفس المضامين والخطاب التقليدي الرث الذي يتجاهل الواقع المؤلم الذي نعيش. ويكمن إنكار هؤلاء في إغفالهم أن الشعوب ملت خطابهم وفكرهم وفسادهم وغيبوبتهم.
والواقع أن القذافي المعتوه لا يبدوا وحيدا في الساحة إلا في تفصيل مهم، هو أن الرجل لا يتحلى بأي قدرات سياسية ميكافليه أو حنكة دبلوماسية سامة، وفي هذا الصدد نجد في مقالة واحد من أهم منظري السياسات الغربية وعرابي الأنظمة العربية العميلة توماس فريدمان التي نشرت في نيويورك تايمز، والتي لخص فيها أسباب الثورات العربية في أربع أسباب تثير الشفقة على الرجل الذي فقد صوابه كما القذافي تمام، فهو يرى أن غوغيل أيرث، وغيرة العرب من ديمقراطية إسرائيل، و أولمبياد الصين و عبقرية فياض السياسية، هي المحرك الرئيسي للثورات العربية، إلا يذكركم ذلك بما قاله ألقذافي في خطابه بذكرى "تسليم الشعب السلطة؟؟؟؟"، أن العرب يغارون من ديمقراطية ألقذافي وبراعة نظامه السياسي.
أن جلالة المناسبة وقوتها تجعل من المستحيل أن يغطي المرء حالة الفوضى التي خلقتها الثورات العربية في العالم والأنظمة والنخب. ولا غضاضة في أن يستنتج المرء في ظل هذا المشهد السريالي بأنه في الوقت الذي يفهم العربي العادي- أن جاز التعبير- معنى الثورة، ويعرف كما القائمين عليها المبتغى منها، فأن الغرب وعملائه والنخب التقليدية الكلاسيكية تعيش أزمة وعي ومعرفة حقيقية. ولست أجد ابلغ من التفسير الذي يقدمه التحليل النفسي بقلم فرويد في فهم المشهد الحالي، مشهد قتل وأكل الأب في الطوطم والتابو، الأب الذي يمتلك كل الأفراد والأشياء، والمتمثل في النظام العالمي وأنظمته ووصايته التي تنتهك كل حرمة وتستغل كل مورد وعلاقة.
يقتل الأب، وللعجب يساهم في قدر كبير في الواقعة من خلال الوسائل التي أعتقد لوقت طويل أنها الخادم الحقيقي لسياساته وفكره الرأسمالي الاستغلالي، والمقصود وسائل وتكنولوجيا الاتصالات الحديثة التي ظن لوقت طويل أنها ستنتج أفراد منكفئين على ذاتهم ولذاتهم التي يروج لها من أجل أدارة عجلت الرأس مال وتحيد الأفراد والمجموعات في معركته المقدسة للهيمنة على الموارد والعقول. ومرة أخرى يحضرني في هذه المناسبة أغنية للشيخ أمام من شعر أحمد فؤاد نجم تعبر ببلاغة نادرة عن هذا الوضع:
الخواجه الامريكانى
والسماسرة اللى وراه
تخنوا بالكدب ودنه
وعرضوا له مقاس قفاه
فهموه
من غير ما يفهم
ان سوق الشرق مغنم
والخوجه بطبعه مغشم
والمصاري معفرتاه
حب يعمل فيها تاجر
وانطلق
يسلب وينهب
ف الزباين بالنهار
يحدف الدولار يلمه
تلتميت مليون دولار
بالقزايز والبنات
باللبان
والبمبونات
بالمدافع والدانات
او بأفلام الرعاة
قول بقي تاجر وفاجر
وانفلت لص المواشي
رعب ماشي فى البلاد
يشفط البترول ويطرش
كل الوان الفساد
عزرائيل من غير فرامل
يقلب العرسان ارامل
حتى فى بطون الحوامل
كان بيدبح الحياة
بالسناكي والخناجر
والنهايه يا خواجه
مش ف يوم كانت بدايه ؟
البدايه برضه لازم
ييجي يوم
توصل نهايه
مهما زاد الراسمال
الهلاك هو المآل
والتاريخ
هو اللى قال
لعبه الموت فى الحياة
تسحب الروح م الحناجر