ألثورة المضادة
أمريكا والإخوان والعسكر
أحمد حسين
أستردت أمريكا أنفاسها، وحشدت حلفاءها وعملاءها وعلماءها، وبدأت ثورتها المضادة، على مستويين، تصفية الثورات التي تم إطلاقها، وضبط الحراكات الأخرى على سيناريوهات تفريغية، أو ملء الفراغات التي لم تشغلها الحراكات الثورية بعد، بثورات مدورة من عندها، لتملأ الفراغات قبل أن تملأها الثورات العفوية، كما حصل في مصر. ولقد نجحت أمريكا حتى الأن في أختلاق حرب أهلية في ليبيا بمبادرة منها، وفي تحويل الحراكات في اليمن والبحرين أيضا إلى حروب أهلية بتدخلها المباشر فيها.
في ليبيا قيل إن القيامة قد قامت. ولكن يبدو أن الإعلام كان يسبق ” الثورة ” بمراحل. وهو الأمر المعتاد حينما يكون الإعلام شريكا في ” توجيه الثورة “، وليس في تغطية أخبارها. عندها يغطي الإعلام أحداث الثورة قبل حدوثها، بسيناريوهات تركيبية من عنده. ولأنه لا يكون لديه التوثيق الميداني اللازم، فإنه يحاول ابتزاز البعض، من خلال المقابلات الإستباقية، تصريحات ملفقة توضع على لسانهم قسرا. وحينما يكون الأسلوب تنقصها اللباقة واللياقة الكافية، ويرفض الشخص مجاراتها، تتوعك المذيعة نفسيا وتقوم بطرده خارج المشهد. وهذا ما حدث في فضائية الجزيرة الناطقة بالعربية، حينما قامت المذيعة بطرد استاذ ليبي جامعي أحرجها بمنطقه البسيط والموضوعي. وهذا شبيه جدا بأسلوب رجال المخابرات أثناء التحقيق مع المتهمين، ويتطلب من الجماهير اانتباها أ كثر لما تقدمه هذه الفضائية من سيناريوهات مضللة، وأخبار كاذبة. وعلى سبيل المثال تردد هذه الفضائية أخبارا عن استعمال النظام الليبي لمرتزقة من الجوار الأفريقي لقمع ” الثورة “. ومن الواضح للعقل أن هذه الأخبار يقصد بها التعمية على الحقيقة، وتبرير وجود مرتزقة غرباء، قامت أمريكا بإحضارهم، لتفصيل ” الثورة الليبية “. كما أنها تتحدث عن شيوخ قبائل يعارضون القذافي، لتمرير وجود عملاء من شيوخ هذه القبائل، يشاركون في الثورة ضد القذافي.
والناس خارج ليبيا لا يهمها القذافي أو أي حاكم عربي. ما يهمها هو الشعب الليبي، الذي سيعاني من التآمر الأمريكي. إن دماء ليبي شريف واحد، لا تكافؤها كل دماء الذين يرتزقون بفرية الأخلاق والشرف والموضوعية. ولست أدري كيف يمكن لإنسان متوسط الثقافة والذكاء، أن يتوه عن حقيقة فضائية الجزيرة ووجهتها الإعلامية. هذه القناة لم تعد تبالي بالإنكشاف، أو لم تعد قادرة على إخفاء أهدافها لأن مهنية مذيعيها ومخرجيها قد تراجعت بحكم السن والروتين، وبدأ يبين عليهم التعب. ولعل على الممولين أن يقوموا بتجديد الطاقم الإداري والتشغيلى، أو إمداده بنجوم جديدة مكان النجوم التي انطفأ ألقها. إن الجهد النبيل الفاشل الذي يبذله المشغلون المساكين، للمحافظة على اللياقة الإعلامية، أصبح يصيبهم بالإرهاق والعصبية والقلق، فيطردون الضيوف الذين يخالفونهم القول، ويرسلون في معظم الأحيان عبر الشاشة رسائل غير مغلفة. أما طاقم الكواليس، فقد أصبح يخترع الشخصيات والأسماء، ويلتقط الجائعين والمدمنين من الشوارع، على ‘تبار أنهم ناشطين ” سياسيين ” ليدلو بأقوالهم حول ” الثورة الليبية ” مقابل بضعة دولارات. وأصبحت المشاهد المخرجة سينمائيا، والمشاهد الممنتجة أو المشوشة المأخوذة من أحداث الثورة المصرية والتونسية تقدم على أنها أحداث ليبية. حتى المظاهرات الضخمة التي يخرجها العقيد المتورط، أصبحت تقدم بتغافل توضيحي يوهم أنها مظاهرات “للثوار”. ومراسلو الجزيرة يطاردون الآن في معظم بلدان العالم والمنطقة ليس بسبب نبلهم ومووضوعيتهم الإعلامية كما يرددون داءما، وإنما لأنهم يقبض عليهم متلبسين بالتزوير الإعلامي، أو متورطين في مهام غير إعلامية. وإذا لم تقم النخبالشعبية الواعية بتحذير جماهيرها من خطر الإعلام المسموم، فسوف تتمنى لو أنها فعلت.
ولا يختلف الأمر في البحرين واليمن عما هو في ليبيا. فالثورة نصفان، والشعب شعبان، وأمريكا لاهي مع الثورة ولا هي مع النظام في اليمن، وإنما هي طرف ثالث ضد الشعب، وضد نظام في المجهول تحاول أن تمنع قدومه. أما في البحرين فهي تستبق الخطر الإيراني على مصالحها، وتدفع بعجول السنة إلى التعرض الطائفي للثورة.
ولكن العجب الأمريكي العجاب، هو ما تحاول إحداثه في مصر. فقد تبين أخيرا أن الشيخ القرضاوي والإخوان هم الذين كانوا وراء الثورة الشعبية، كما أكد الشيخ المذكور. وقد كان هذا الشيخ شخصيا ضالعا في الأمر، إلى حد أنه أقسم أمام الله بدون أن يستأذنه، أن الثورة المصرية ستنجح. كما فعل نفس الشيء، وأمام الله أيضا، أن الجيش المصري مخلص للشعب والثورة، وأن على الشباب والمعتصمين، أن يعطوا الجيش فرصة كافية ليقوم بتحقيق ما تريده الثورة. وفي الحقيقه أن الشيخ أوضح نفسه جيدا، ولم يترك شاردة في الغيب أو واردة إلا تحدث فيها. فطلب من المسيحيين أن يسجدوا مع المسلمين أثناء الصلاة، وأن ينتبه الجميع أنه لا ينطق عن الهوى. فكل ما أقسم عليه وتحقق، والعالم النحيف المعمم الذي قبل يده على المنصة، والمسيحي الذي قابله في القطار وأثنى عليه ثناء منقطع النظير، كلها تشهد أنه من المقربين. وببركة سعيه، وكرامة نفاقه للشباب وللجيش ولنفسه، تحولت الثورة الشعبية ألمصرية إلى ثورة إخوانية. وفي اعتقادي أنه لو سمحت حالة الشيخ العمرية والصحية، لما خرج من ميدان التحرير إلا على الإكتاف، رئيسا لمصر.
كان المشهد سماويا بحق. خاصة وأن أعضاء فريق الكشافة من العلماء، كانو يشبهون الملائكة في انتشارهم بين المتظاهرين، وكأنهم نجوم في سماء ربيعية صاحية. كانوا جميعا مديدي القامة، ممشوقي القدود، يبرزون بقلانسهم الخلافية وطيلساناتهم البهية، وكأنهم الكائنات العلوية، أو الجندرمة الدينية.
تذكرت التشبث السمج لمبارك بالرئاسة، وتذكرت معها قصة جميلة لا يطاوعني ضميري ألا أقصها عليكم ( قالت له الثورة المضادة وهو يعتليها: إن الناس يتهمونني بك. فقال لها صابرا ومحتسبا: منهم لله! ).
فيا شباب مصر العروبة! أمريكا لن تتركم إلا بعد أن تيأس! وهي لن تيأس ما دمتم مصرين على الدماثة. إن الأمريكي أسمج خلق الله. لقد أٍسقطتم مبارك بحزمكم وإصراركم. فهل تظنون أنكم ستسقطون مخلفات أمريكا بينكم بالدماثة. لقد وجدت نفسي وأنا أستمع للقرضاوي أصيح فجأة بغضب حقيقي: إرحل!
ألا يغضبكم ما يجري؟ كل طفيليات أمريكا وعملائها وحلفائها في مصر وخارجها، يحاولون الإعتداء على الثورة كل بطريقته. وثقوا أن المعادلة النهائية هي: إما أنتم وإما هم. إما الثورة الشعبية وإما الثورة المضادة. إما مصر العربية أو أمريكا. وأنتم تدركون ذلك. فلماذا لم تصرخوا بالقرضاوي المدوّل وأنتم تعرفونه: إرحل!؟ لماذا لا تصرخون كل مرة بأمريكا أن ترحل، لتعرف أنكم تعرفون وتيأس؟
لقد كان شعار يوم الجمعة الفائت في قناة الجزيرة: أربعة ملايين يصلون خلف القرضاوي في ميدان التحرير! وفرضوا على يوم ” الإنتصار ” طابعا إخوانيا. وأردوا أن يوحوا بأن الثورة تمت وحققت كل أهدافها. فمن يحمي وعي الجماهير منهم؟ ومن يحمي الثورة من أيمان القرضاوي الكاذبة والمؤتلية على الله، ومن عسكر أمريكا الذين حلف أمام الله أنهم صادقون ومخلصون للثورة؟ ومن سيناريوهات قناة الجزيرة المعقدة؟
هل سيكمل شباب مصر ثورتهم قبل أن……. لا سمح الله! هل سيقولون لأمريكا والعسكر والإخوان: إرحلوا!، قبل….؟ قبل ماذا؟ والله، يمينا محمولا على الثقة بالثورة المصرية والشعب المصري والتاريخ، لن تستطيع أمريكا، ولا الإخوان، ولا العسكر، أن يغلقوا باب الثورة. إنها الآن قدر مضى الحكم به، ولكن حماية الثورة الآن ستكون أسهل بكثير، من غدا أو بعد غد.
مرة أخرى، ألدين المسيس والليبرالية والعسكر، هم الأعداء الموضوعيون للثورة في مصر. وهم يبدون الآن أبرز القوى السياسية على الساحة. والحزب الوطني ما زالت طواقمه وآلياته الحزبية قائمة. وسوف يعود بعد أن يغير طربوشه السابق، تحت اسم جديد ورواية سياسية جديدة، ليتحالف مع الجماعة والليبراليين، كما ألحت أمريكا دائما على مبارك. وفرصتهم في النجاح كبيرة. ولن يوقفهم سوى استعادة العنفوان العملي والمطلبي للثورة. فإذا حافظت الثورة على أقصى حدود الإمكان التحرري، وانتزعت قانونا جديدا للإنتخابات يحرم الأحزاب الدينسياسية والطائفية، والروابط الحزبية التنظيمية العابرة للوطن، دستوريا، فإن فرص الثورة المضادة ستقل كثيرا. أما إذا لم يتصد الشباب الثوري سريعا، بكل القوة والإصرار للمحاولات الواضحة للإلتفاف على الثورة، فقد يتمنى بعد ذلك لو أنه فعل.
أما أمريكا، فليس هناك شعب عربي واحد يحبها، ولكن ذلك لا يكفي أيضا. فبالموضوعية الخالصة، ما لم تكن محاربة أمريكا جزءا لا يتجزأ من المباديء الإستراتيجية لأية ثورة تحررية في العالم، فستظل ثورة ناقصة ومهددة. ومالم تكن مواجهتها، أي أمريكا، من قبل أي شعب يريد التحرر، ألف باء الثورة فهو معرض للفشل. هذا هو قانون التحرر المعاصر. وهي في الوطن العربي تحشد الآن كل قاذوراتها العميلة، وكل طفيليات عجيزتها الإعلامية، ودسائسها، ودولاراتها، لتمنع أي تغيير جوهري لصالح الشعوب في المنطقة. لأن التغيير الجوهري الموضوعي، معناه معاداتها الحتمية من جانب تلك الشعوب.
نعم ورث الثورة جيش النظام
20 فبراير 2011نعم ورث الثورة جيش النظام
بقلم الاعلامي: خالد الفقيه
منذ إندلعت شرارة التحركات الشعبية في مصر والداعية لإسقاط نظام وحقبة مبارك وريث نظام السادات وكامب ديفيد الذي مرغ كرامة الأمة بالطين وأستدخل الهزيمة إليها ثقافةً وممارسة والعالم بكليته منشد لتطورات الأحداث وما حملته ساعةً بساعة يترقب ما يمكن أن ينجم عن هذه التحركات التي آثر البعض تسميتها بالثورة فيما رأى آخرون فيها انتفاضة على ثلاثين عاماً أو يزيد من القمع وأحكام الطواريء.
وفي هذه الفترة التي أنتهت رحيل فرعون مصر على أمل أن ينتهي عصر الفراعنة والعسكر كثرت الكتابات والتحليلات التي أوغلت في التمني والترجي والبناء وبعضها كان سطحياً متقلباً.
ومما كتب في التحرك المصري تحليلاً إنفرد به المفكر القومي العربي الدكتور عادل جاء تحت عنوان كي لا يرث الثورة جيش النظام والبرادعي والإخوان، وبعد رحيل مبارك جاءت النتائج كما تنبأ بها سمارة فجيش النظام ورث الثورة وأكد على الالتزامات والمعاهدات الدولية والإقليمية بما في ذلك حالة التحالف التي لا إنفصام فيها مع الولايات المتحدة التي يرتبط بها هذا الجيش تسليحاً وتدريباً، وأكد على ذلك مسؤولوا الإخوان الذين قالوا أنه في هذا الوقت لن يطالبوا الدولة بالتحلل من إلتزاماتها ومعاهداتها الخارجية وسارعوا للإعلان عن نيتهم تشكيل حزب سياسي بالضرورة سيوافق على واقع الأمر في مصر حتى يتسنى له المشاركة في العملية السياسية.
ولكن خلال الهبة أو الثورة تبادر لذهني ولأذهان الكثيرين تساؤول حول جمود المتظاهرين وعدم تحركهم في خضم انتفاضتهم نحو السفارة الأسرائيلية في القاهرة والمصالح الصهيونية في مصر؟ وثار التساؤول أيضاً عن موقف الجيش المصري من مثل تحرك كهذا لو حصل؟
واليوم مع إمتداد حركة الجماهير لأكثر من قطر عربي نقول إن هذا الحراك لا بد أنه الرد الأصيل والمدوي على فكرة القطرية العربية التي لم تجلب للأمة إلا مزيداً من الذل والمهانة والتمترس خلف خطوط العدو والإمبريالية العالمية بوجهها المعولم المتوحش.
في مصر كما في تونس نعم ورث النظام جيشه الذي لم يتحلل أو يعلن تبرئه مما أبرمه النظام من معاهدات واتفاقات ذل ومهانة بل وزاد على ذلك تمسكه بالنهج والنسق السابق وبقيت الإمدادات والتدريبات العسكرية لا تتجه إلا نحو الغرب مع العلم أن العالم بات اليوم متعدد الأقطاب، فالحكام الجدد ولو من باب المناورة لم يهددوا بتغيير توجهات البوصلة وآثروا بقائها على وجهتها السابقة.
ما تقدم ألا يعني للعموم ممن ضحوا بدمهم وتمردوا على السوط الذي ألهب ظهورهم لعقود الاستمرار حتى تغيير الوجوه والعقول؟ آلا يدرك هؤلاء بأن المؤامرة التي تحاك ضدهم لن تتوقف حتى تعيدهم لبيوتهم كما خرجوا منها دون تحقيق مطالبهم بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية؟ آلا يدرك هؤلاء بأن عقلية العسكر ستبقى في حالة تأهب وتحفز لإنتزاع كل بوادر التمرد المشروع من عقولهم.
فرحنا وفرح الكثيرون لإنهيار أنظمة الردة العربية التي تأمرت على القضية القومية الأولى قضية فلسطين، فرحنا بسقوط جلاوذة العصر الذين بدأت عورتاهم ومؤامراتهم تتكشف وتكشف عن دورهم البذيء في الاغتيالات وسحل الجثث في الشوارع وتأجير أراضي الفلاحين للكارتيلات الاحتكارية الغربية لتدفن السموم فيها، نعم تغبطنا السرور ونحن نراهم يفرون من غضب الشعوب بملابسهم وما تيسر لهم نهبه في عقود، لقد دفنهم التاريخ بحركته التي لا تتوقف عند أحد ولا تعرف سيرورته التجمد ونحن نستذكر ماضيهم البشع المر وهم ربما كانوا أكثر من أعداء أمتنا فرحاً وتمنياً بانهيار مشاريع المقاومة والمانعة المتبقية في فضائنا العربي وهم من قال عنهم السيد نصر الله أن وجوههم أسودت أكثر من الإسرائيلي بعد نصر تموز عام 2006.
ولكن ومع كل هذا فحركة الشعب لم تحقق ما رنت إليه بعد فالطريق لا زال في منتصفه وعلى الشعوب أن تستجيب لقدرها بالإنعتاق الكامل والمكتمل من العبودية حتى تسترد كرامتها التي جردها إياها النظام وجيشه.